كان أبو غزالة شريكاً في السلطة
وبدا مألوفاً أن يستقبل رؤساء وسفراء أجانب ويدير جانباً من السياسة المصرية في أهم الملفات الإقليمية وقتها، ويصرح لوسائل الإعلام حول الموقف من مختلف القضايا العسكرية وغير العسكرية، ويسافر إلى الخارج لعقد مباحثات ومفاوضات مع دول العالم باسم مصر
وأشرف أبو غزالة على التصنيع الحربي. وبالإضافة إلى المصانع الحربية والهيئة العربية للتصنيع فقد وقف وراء إنشاء مصانع وزارة الدفاع، ومنها مصنع 200 الخاص بتجميع الدبابة إبرامز أ1، ومصنع 99 المتقدم. ومع اندلاع المقاومة الأفغانية للغزو السوفيتي، واندلاع الحرب العراقية الإيرانية، ازدهر الإنتاج الحربي لمصر في عهد أبو غزالة لتتعدى صادرات مصر العسكرية بليون دولار عام 1984
والشيء المؤكد أن هذه المشروعات المختلفة والخدمات المتنوعة للعسكريين والمدنيين على حد سواء زادت من رصيد وشعبية المشير أبو غزالة، الذي اعتمد على جاذبيته الشخصية وحضوره الطاغي إلى جانب دهائه السياسي في زيادة مساحة هذه الشعبية داخلياً، وتعزيز شبكة السلطة الأبوية التي أقامها في مواقع مختلفة من الحياة المدنية والعسكرية
وأبو غزالة كان أقوى المرشحين لمنصب نائب الرئيس
وقد سُئِلَ منذ سنواتٍ طويلة عن ذلك، فقال: "إن من الصعب شغل هذا المنصب الشاغر إلا بعد عمرٍ طويل". ومرت سنوات أخرى على هذه الإجابة، من دون أن يٌعيَن نائباً للرئيس. على أن إجابة المشير كانت توحي بالثقة في أن هذا المنصب لن يكون من نصيب أي شخص غيره، ولو بعد حين
لكن هذه الثقة دخلت غرفة الإنعاش بمجرد أن ترك أبو غزالة وزارة الدفاع، ثم تبخرت تماماً بعد خروجه من منصب مساعد رئيس الجمهورية
وسبقت ذلك الخروج مؤشراتٌ ظلت كالبخار المكتوم، عن خلافاتٍ بين الرئيس والمشير، جعلت مبارك يتخلى تدريجياً عن حذره الريفي ويضيق ذرعاً بصديقه القديم
مصور الرؤساء فاروق إبراهيم عمل مع الرئيس مبارك لفترة قصيرة كمصور خاص للرئاسة عقب منع مصوري الصحف من الاقتراب من الرئيس. وكما يقول فاروق إبراهيم، فقد منع مصورو الصحف بعد نشر جريدة "الأهرام" صورة للرئيس مبارك مع المشير أبو غزالة يبدو منها أن هناك تشاحناً بينهما، وأثارت الصورة وقتها ضجة كبيرة
والمؤكد أن الرئيس مبارك نفى حينها أي أصل لقصة الصراع بينه وبين أبو غزالة، كما فعل في حوار مع مجلة "الصياد" اللبنانية عام 1986 حين قال: "هذا كلام فارغ.. وأنا أسمعه.. من قال إنني لا أسمع به.. أسمعه وأضحك.. مصر دولة لها مؤسساتها.. أنا الذي أصدر الأمر للجيش، وفي الخارج يقولون خلافات، طبعاً يزيدون في الخلافات ويقولون إنها عميقة بين الرئيس ووزير دفاعه المشير.. لكن الكلام ده كله ماباكلش منه حتي لو كتبوا كل يوم عشر صفحات"، أو كما قال قبلها في حوار مع "التضامن" اللندنية عام 1983 : "المشير أبو غزالة هو أحد أبطال حرب أكتوبر وهو وزير الدفاع وليس عليه أي غبار". ويمكنك توقع حقيقة ما آلت إليه العلاقة بين الرجلين فعلاً عندما تقرأ في الحوار نفسه أن الرئيس "متشدد في التعامل مع أولاده لحساب الموقع العام الذي يشغله.. إلى الحد الذي لا يعرف فيه أحد حتى أسماءهم"، وهو ما فسره مبارك بـ"أننا أسرة محافظة لا نحب الدعاية"

طبعاً، الأيام دارت، ليعرف المصريون جيداً اسم نجلي مبارك: علاء وجمال
نعود إلى أبو غزالة، لنتساءل: كيف خرج الرجل القوي من منصبه المؤثر بهدوء ودون ضجيج، بعد أن ذهب محللون بعيداً، ظناً منهم أن المشير في طريقه إلى درجةٍ وربما درجات أعلى، وليس إلى التقهقر والتراجع والانزواء عن الأضواء، بعد سنواتٍ من المجد والشعبية الكبيرة
الأجدر بنا أن نتابع سرد الأحداث وفق تسلسلها التدريجي لتوضيح أبعاد هذا التطور المفاجىء الذي أوقف قطار نجومية المشير عند محطة وزير الدفاع
يمكن القول أن أبو غزالة كان أقوى شخصية في مصر حتى 16 إبريل نيسان 1989 عندما قرر الرئيس حسني مبارك إعفاءه من منصبه، وتعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية، وهو القرار الذي أسال الكثير من الحبر. ولكن أبو غزالة اعتصم بالصمت، بالرغم من أن العديد من المراقبين رأوا أن الرئيس مبارك أصبح يخشى على نفسه من شعبية أبو غزالة المتعاظمة داخل القوات المسلحة، وأيضاً في الشارع المصري، وخاصة بعد أحداث قوات الأمن المركزي، ومهاجمتهم منشآت وكازينوهات شارع الهرم في فبراير شباط 1986، ما استدعى تدخل القوات المسلحة للسيطرة على الموقف
غير أن هناك من يرى أن سبب إقالة أبو غزالة هو تمرده على الولايات المتحدة
إذ إن أبو غزالة سعى إلى تطوير برنامج الصواريخ المصري، ولم يتورع منذ 15 فبراير شباط 1984 عن الدخول في برنامج تطوير صاروخ "بدر 2000" أو "كوندور 2" البعيد المدى بالتعاون مع العراق والأرجنتين
وتحدثت تقارير صحفية غربية حينها عن صلةٍ ما لأبو غزالة بمحاولات الحصول على تكنولوجيا الصواريخ الأميركية بطريقةٍ تخالف قوانين حظر التصدير الأميركية، وخصوصاً بعد إلقاء القبض على عال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ